محمد هادي معرفة

613

التمهيد في علوم القرآن

لسان دافع ، وليس في ماضغيّ ضرس قاطع ، ولا بين جنبيّ نفس حركة نشيطة ، ولكن حردة « 1 » مستشيطة ، لما أنا مفجوع به من مفارقة كل أخ كان يسمع منّي الكلمة الفذّة فيضعها على رأسه ، ويعضّ عليها بأضراسه ، ويتقلّبها بروحه ، ويلصقها بكبده ، ويجعلها طوقا في أعلى مقلّده ، ويسكنها صميم فؤاده ، ويخطّها على بياض ناضره بسواده ، لولا خيفة أن تسوّل له نفسه أنّني أقللت الاكتراث بمراسلته ، وأخللت الاحتفال بمسألته ، وأن يقول بعض السمعة - ممّن يحسب لساني لسان الشمعة - : أقسم باللّه قسما ، ما وجد في ديسم « 2 » دسما ، فمن ثمّ ضرب عنه صفحا ، وطوى عنه كشحا ، ولم يوله لمحة طرف ، ولم ينطق في شأنه بحرف . أمّا العرب فقد صحّ أنّ لغتها أصحّ اللغات ، وأنّ بلاغتها أتمّ البلاغات ، وكل من جمح في عنان المناكرة ، وركب رأسه في تيه المكابرة ، ولم يرخ للتسليم والإذعان مشافره « 3 » فما أفسد حواسّه ومشاعره ! وهو ممّن أذن بحرب منه لعقله الذي هو إمامه في المراشد ، ولتمييزه الذي هو هاديه إلى المقاصد . اعلم يا من فطر على صلابة النبع ، وأمدّ بسلامة الطبع ، ووفّق للمشي في جادّة العدل والإنصاف ، وعصم من الوقوع في عاثور الجور والاعتساف ، فإنّ واضع هذا اللسان الأفصح العربي من بين وضّاع الكلام ، إن لم يكن واضعه رافع السماء وواضع الأرض للأنام ، فقد أخذ حروف المعجم التي هي كالمادّة

--> ( 1 ) يقال : حرد الرجل حرودا إذا تحوّل عن قومه وانفرد . ( 2 ) الديسم : بالفتح ولد الدبّ ، قال الجوهري : قلت لأبي الغوث : يقال إنّه ولد الذئب من الكلبة ، فقال : ما هو إلّا ولد الدبّ ، وقال في المحكم : إنّه ولد الثعلب . وقال الجاحظ : إنّه ولد الذئب من الكلبة ، وهو أغبر اللون ، وغبرته ممتزجة بسواد ، وحكمه تحريم الأكل على كلّ تقدير . « الحيوان 1 : 343 » . ( 3 ) الشّفر - بالضم ، وقد يفتح - : أصل منبت شعر الجفن .